مجمع البحوث الاسلامية
480
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
يشير إليه قوله تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ النّحل : 89 ، من دقائق المعارف في القرآن ؟ وأمّا استبعاد أن يختفى عليهم معاني القرآن مع ما هم عليه من الفهم والجدّ والاجتهاد ، فيبطله نفس الخلاف الواقع بينهم في معاني كثير من الآيات والتّناقض الواقع في الكلمات المنقولة عنهم ، إذ لا يتصوّر اختلاف ولا تناقض إلّا مع فرض خفاء الحقّ ، واختلاط طريقه بغيره . فالحقّ أنّ الطّريق إلى فهم القرآن الكريم غير مسدود ، وأنّ البيان الإلهيّ والذّكر الحكيم بنفسه هو الطّريق الهادي إلى نفسه ، أي أنّه لا يحتاج في تبيين مقاصده إلى طريق ، فكيف يتصوّر أن يكون الكتاب الّذي عرّفه اللّه تعالى بأنّه هدى وأنّه نور ، وأنّه تبيان لكلّ شيء ، مفتقرا إلى هاد غيره ومستنيرا بنور غيره ومبيّنا بأمر غيره ؟ فإن قلت : قد صحّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال في آخر خطبة خطبها : « إنّي تارك فيكم الثّقلين ، الثّقل الأكبر والثّقل الأصغر ، فأمّا الأكبر فكتاب ربّي ، وأمّا الأصغر فعترتي أهل بيتي ، فاحفظوني فيهما فلن تضلّوا ما تمسّكتم بهما » . رواه الفريقان بطرق متواترة عن جمّ غفير من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عنه ، أنهى علماء الحديث عدّتهم إلى خمس وثلاثين صحابيّا . وفي بعض الطّرق « لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » . والحديث دالّ على حجّيّة قول أهل البيت عليهم السّلام في القران ، ووجوب اتّباع ما ورد عنهم في تفسيره ، والاقتصار على ذلك ، وإلّا لزم التّفرقة بينهم وبينه . قلت : ما ذكرناه في معنى اتّباع بيان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله آنفا جار هاهنا بعينه ، والحديث غير مسوق لإبطال حجيّة ظاهر القرآن ، وقصر الحجّيّة على ظاهر بيان أهل البيت عليهم السّلام كيف وهو صلّى اللّه عليه وآله يقول : لن يفترقا ، ؟ فيجعل الحجّيّة لهما معا ، فللقرآن الدّلالة على معانيه والكشف عن المعارف الإلهيّة ، ولأهل البيت الدّلالة على الطّريق وهداية النّاس إلى أغراضه ومقاصده . على أنّ نظير ما ورد عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في دعوة النّاس إلى الأخذ بالقرآن والتّدبّر فيه ، وعرض ما نقل عنه عليه ، وارد عن أهل البيت عليهم السّلام . على أنّ جمّا غفيرا من الرّوايات التّفسيريّة الواردة عنهم عليهم السّلام مشتملة على الاستدلال بآية على آية ، والاستشهاد بمعنى على معنى ، ولا يستقيم ذلك إلّا بكون المعنى ممّا يمكن أن يناله المخاطب ويستقلّ به ذهنه لوروده من طريقه المتعيّن له . على أنّ هاهنا روايات عنهم عليهم السّلام تدلّ على ذلك بالمطابقة ، كما رواه في « المحاسن » بإسناده عن أبي لبيد البحرانيّ عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث قال : « فمن زعم أنّ كتاب اللّه مبهم فقد هلك وأهلك » . ويقرب منه ما فيه وفي « الاحتجاج » عنه عليه السّلام قال : « إذا حدّثتكم بشيء فاسألوني عنه من كتاب اللّه » الحديث . وبما مرّ من البيان يجمع بين أمثال هذه الأحاديث الدّالّة على إمكان نيل المعارف القرآنيّة منه ، وعدم احتجابها من العقول ، وبين ما ظاهره خلافه ، كما في